نخبة من الأكاديميين
389
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
" تثاقف " سيحسن الطهطاوي استيعابها والتعبير عنها ، كنموذج لحالة حوار حضاري أولي بعد مرحلة الجمود التي شهدها المجتمع المصري ، والتي سبق للجبرتي أن وصف بعض حالاتها على مستوى الأعيان والعلماء والعامة والطرق وعلاقات السلطة والسوق . ولنتذكر أن نصوص الجبرتي التي وصفت أحداث الحملة لم تكن معبّراً عن حالة قلق أو تأثّر بعلوم فرنسا وأفكارها كما اعتقد البعض . عدا أن نصوصه ظلت محظورة ، كما يقول شارل عيساوي حتى عام 1870 . إن نصوص الطهطاوي التي تضمنت وصف مشاهدته لباريس ، التي تحمل في رأيي محاولات المقارنة الأولى بين مجتمعين وثقافتين ورؤية ما في مجتمع " الآخر " وثقافة " الآخر " من " إيجابيات " ، ولنقل لإدراك النسبية التاريخية في النظر إلى المجتمعات والحضارات في التاريخ العالمي . لقد اكتشف الطهطاوي في السياق التاريخي والثقافي الذي عاش فيه ، صراحة أو ضمناً ، أمرين بغاية الأهمية : الأول : أن تاريخ مصر لا يبدأ مع الإسلام ، وأن تاريخ مصر القديمة ليس تاريخ وثنية كما تعلّم في الأزهر ، بل هو تاريخ حضارة ومدنية ، تاريخ يتواصل مع تواريخ لاحقة ، يونانية وعربية وإسلامية وأوروبية . الثاني : أن التاريخ الإسلامي الذي اختزل في وعي الأزهريين والفقهاء على أنه تاريخ الدعوة وتاريخ الشريعة وتطبيقاتها في عالم الإسلام ، لم يعد هو التاريخ العالمي . ولعل خيار الطهطاوي للترجمة كباب لمعرفة العالم والتاريخ العالمي والدخول فيه ، كان الباب الصحيح والأسلم الذي وجب طرقه آنذاك لاكتشاف العالم قديمه وحديثه . وكان شمبليون ، في الوقت نفسه ، يكتشف عالم مصر القديمة عبر فك رموز اللغة الهيروغليفية ويقدم قاموساً لها ، ليضع العالم بأسره أمام " أم الحضارات " . هكذا ، يكتشف كل واحد منهما من موقعه ، وحدة العالم وعلاقة ماضيه بحاضره ، ولمزيد من التعلّم ولمزيد من المعرفة ، ولمزيد من اكتشاف الغنى والتنوع في هذا العالم . والمفارقة أن يكون الاثنان نتاج علاقة الالتباس أو التداخل بين الحرب والحضارة ، بين الثقافة والاستعمار . وفي الحالة التي ندرس بين الحملة العسكرية التي شملت محاربين ومدافع ، وبين " الجامعة المتنقلة " التي ضمت 167 عالماً وآلات ومختبرات . * * * هذا الالتباس بذاته سيكون على مدار التاريخ الإسلامي الحديث ، ومنذ حصول ذاك الاحتكاك الأول بين عساكر أوروبا وأفكارها وتقنياتها من جهة ، وبين المجتمعات الإسلامية وعقلياتها وفئاتها ونخبها " القديمة والجديدة " من جهة ثانية ، سيكون حقل تفاعلٍ وأخذٍ ورد ، سيكون بتعبير آخر حقلًا لما يسميه المؤرخ البريطاني أرنولد تويمبي : حقل التحدي والاستجابة أو كما يسميه رشيد رضا وبقية